العقل بين الاتزان والاضطراب،،،

بقلم: د. أشرف رضا
دكتور المناهج وطرق التدريس
من أكثر القضايا التي شغلت الفلاسفة والأطباء وعلماء النفس عبر التاريخ سؤالٌ لا يزال يفرض نفسه حتى يومنا هذا: هل العقل حالة ثابتة لا تتغير، أم أنه يتأثر بما يمر به الإنسان من ظروف وضغوط وتجارب؟
الحقيقة التي تكاد تجمع عليها العلوم الإنسانية والطبية أن الإنسان ليس كائنًا جامدًا، بل هو منظومة متكاملة من العقل والنفس والروح، تتفاعل باستمرار مع ما يحيط بها. ولذلك فإن الصحة النفسية ليست نقطة ثابتة، وإنما هي حالة من التوازن قد تقوى وقد تضعف، وقد تستقر وقد تضطرب، وفقًا لما يواجهه الإنسان من ابتلاءات وضغوط ومسؤوليات.
ولعل أخطر ما يقع فيه البعض هو الاعتقاد بأن العقلاء فئة معصومة من الاضطراب، وأن المرض النفسي لا يصيب إلا فئة قليلة من الناس. والواقع أن النفس البشرية تمر بمراحل من القوة والضعف، ومن النشاط والخمول، ومن الثقة والقلق، ومن الانبساط والانطواء، وكل ذلك يدخل في نطاق الطبيعة الإنسانية ما دام في حدوده الطبيعية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة الإنسان وضعفه، فقال سبحانه:
﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
(النساء: 28).
وقال عز وجل:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
(البلد: 4).
أي أن حياة الإنسان قائمة على المكابدة والمشقة، وما يصاحبها من صراعات نفسية وعقلية وانفعالية، وهي سنة من سنن الله في خلقه.
كما يصور القرآن بدقة أحوال النفس الإنسانية، فهي ليست على وتيرة واحدة، بل تنتقل بين مراتب متعددة؛ فتارة تكون أمارة بالسوء، وتارة تلوم صاحبها، وتارة تبلغ مقام الطمأنينة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾
(يوسف: 53).
وقال سبحانه:
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
(القيامة: 2).
ثم قال جل شأنه:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
(الفجر: 27-28).
وهذه المراتب تؤكد أن الإنسان يعيش في صراع دائم مع ذاته، وأن التوازن النفسي يحتاج إلى مجاهدة مستمرة، وإلى إيمان، وعلم، وحكمة.
ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم ينكر طبيعة الانفعال البشري، وإنما وجّه إلى كيفية السيطرة عليه، فقال:
“ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.”
(متفق عليه).
فالقوة ليست في الانفعال، وإنما في القدرة على ضبطه، وهي رسالة تربوية عظيمة تسبق ما توصلت إليه نظريات إدارة الانفعالات في علم النفس الحديث.
كما دعا الإسلام إلى التداوي، فقال رسول الله ﷺ:
“تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء.”
(رواه أبو داود والترمذي).
ومن هنا فإن المرض النفسي أو العقلي لا ينبغي أن يكون موضع خجل أو وصمة اجتماعية، بل هو ابتلاء كسائر الأمراض، يحتاج إلى تشخيص صحيح، وعلاج علمي، ودعم أسري ومجتمعي.
إن البشر يختلفون في طبائعهم؛ فمنهم من يميل إلى الحركة والمبادرة والانفتاح، ومنهم من يفضل التأمل والهدوء والعزلة، وليس في ذلك عيب ولا فضل في ذاته، وإنما تكمن الفضيلة في الاعتدال، وفي قدرة الإنسان على التكيف مع نفسه ومجتمعه دون إفراط أو تفريط.
وقد علمنا الإسلام أن خير الأمور أوسطها، وأن التوازن هو سبيل النجاة في الفكر والسلوك والانفعال، ولذلك نهى عن الغلو كما نهى عن التفريط، وجعل الوسطية منهج حياة.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى نشر ثقافة الوعي بالصحة النفسية، وإلى إزالة الخوف من طلب العلاج، وإلى تربية أبنائنا على التعبير عن مشاعرهم، واحترام اختلاف الشخصيات، وعدم السخرية من أصحاب الاضطرابات النفسية، فالكلمة الجارحة قد تهدم إنسانًا، بينما الكلمة الطيبة قد تعيد إليه الحياة.
وفي زمن تتسارع فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، لم يعد الحفاظ على صحة الإنسان النفسية ترفًا، بل أصبح ضرورة وطنية، لأن المجتمعات لا تُبنى بالعقول اللامعة وحدها، وإنما تُبنى بالعقول المتزنة، والنفوس السوية، والقلوب المطمئنة.
ويبقى اليقين الراسخ أن العقل نعمة من أعظم نعم الله، وأن الحفاظ عليه مسؤولية دينية وأخلاقية ووطنية، وأن الإيمان الصادق، والعلم الصحيح، والأسرة الواعية، والتعليم الرشيد، والرعاية النفسية المتخصصة، هي الأركان التي تصنع الإنسان القادر على مواجهة تحديات الحياة، وصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للأفراد والأوطان.