من «خميس أبو العافية» إلى «الشريط الأحمر والعاجل»

بقلم د/ أشرف رضا محمد
مدرس المناهج وطرق التدريس
أتذكرون الثمانينيات والتسعينيات؟
تلك الأيام التي كانت فيها الحياة أكثر هدوءًا، والنشرة موعدًا ننتظره في التاسعة مساءً بوقار، لا سيلًا يطاردنا في كل ثانية، ولا شريطًا عاجلًا يقتحم هواتفنا ونحن على موائد الطعام أو في أحضان عائلاتنا؟
أتذكرون خميس أبو العافية، مراسل التلفزيون المصري من القدس الشريف؟ كان اسمه وحده كافيًا ليستحضر صورة القدس والذاكرة والوطن. كنا ننتظر ظهوره بنغمة وقار، تنتهي النشرة، فنغلق التلفاز ونعود إلى حياتنا. كان للخبر موعد، وللصورة حدود، وللإنسان قدرة على أن يستريح.
من مراسل واحد إلى طوفان من الدمار
اليوم، لم نعد ننتظر مراسلًا واحدًا؛ بل أصبحت هواتفنا تُفتح على خريطة مشتعلة بالدخان والركام:
انفجارٌ هناك، وقتلى في بلدٍ آخر.
مشاهد دمار تنسخ التي قبلها، وأزمات متلاحقة لا تمنح القلوب فرصةً للترميم.
لم نعد نعيش أمام الشاشة.. بل أصبحنا نعيش داخل نشرة أخبار مفتوحة على الموت، لا توجد فيها فقرة أخيرة تقول لنا: “إلى اللقاء”.
هل أصبح العالم أكثر عنفًا أم أصبحنا أكثر انكشافًا؟
ربما لم يكن الماضي بلا أوجاع، لكن التكنولوجيا اليوم قرّبت المسافات ولغت الفواصل. لم نعد نتلقى الخبر وننصرف، بل أصلت فينا عبئًا نفسيًا ثقيلًا؛ تجعلنا نعيش الخوف والقلق لحظة بلحظة.
والخطر الأكبر ليس فقط في كثرة الأخبار، بل في «تخدير المشاعر»:
1. أن تصبح المأساة مشهدًا مألوفًا.
2. أن تتحول أرقام الضحايا إلى مجرد بيانات عابرة.
3. أن يمرّ مشهد الطفل المصدوم بين إعلان تجاري ومقطع ترفيهي، فيعتاد القلب ما كان ينبغي ألا يعتاده أبداً!
وراء كل «خبر عاجل».. إنسان!
وراء كل رقم في النشرة: أمٌّ تخشى على طفلها، وأبٌ يحاول توفير يومٍ آخر من الأمان، وحياةٌ كاملةٌ انقطعت أحلامها تحت الركام.
صحيح أن الصحافة واجِبُها نقل الحقيقة، وحقنا أن نعرف.. لكن حق المعرفة لا يعني أبداً أن نغرق في الرعب! نحتاج إلى إعلامٍ ينقل المأساة دون استغلال، ويمنح الإنسان حقه في الطمأنينة كما يمنحه حقه في الخبر.
حنين إلى الطمأنينة
نحن لا نشتاق إلى التلفزيون القديم بذاته، بل نشتاق إلى الإحساس بالأمان..
نشتاق إلى جلسة عائلية لا يسرقها القلق.
إلى مساء لا ينتهي بمراجعة خرائط الصراع.
إلى صباحٍ نبدأه بالسؤال عن أحوال الأحبة، لا بالخوف من اندلاع حرب جديدة!
يا لها من مفارقة مؤلمة!
كان لدينا مراسلٌ واحد ننتظر صوته، فأصبح لدينا مئات المراسلين، لكننا فقدنا الخبر الذي يطمئن القلوب.
رحم الله زمنًا كنا ننتظر فيه «نشرة التاسعة».. لا لأن العالم كان بلا أوجاع، بل لأننا كنا نملك مساحةً لنعيش!